محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
60
شرح حكمة الاشراق
لاطّلعت عليها » ، إذ كثيرة من الصّفات ، من صفات الأشياء غير ظاهرة لنا ، فإنّ معارف الإنسان قليلة جدّا ، وأكثر الأشياء مجهولة عندنا . ولا يكفى أن يقال : « لو كان له ذاتىّ آخر ، ما عرفنا الماهيّة دونه » . فإنّ نفى التّالى ، وهو معرفتنا الماهية ، ممنوع . وإلى هذا أشار بقوله : فيقال : إنّما تكون الحقيقة عرفت إذا عرف جميع ذاتيّاتها . فإذا انقدح جواز ذاتىّ آخر لم يدرك ، لم يكن معرفة الحقيقة متيقّنة ، بل كانت مشكوكة والحقيقة مجهولة . فتبيّن أنّ الإتيان على الحدّ كما التزم به المشّاؤون ، من تركّبه من الجنس والفصل القريبين ، غير ممكن للإنسان ، لجواز الإخلال بذاتىّ لم يعرف ، ولصعوبة تمييز الأجناس والفصول من اللّوازم العامّة والخاصّة . ولهذا عدلوا في أكثر المواضع عن الحدّ ، لصعوبته بالسّبب المذكور ، إلى الرّسوم المؤلّفة من الخواصّ . وصاحبهم ، وهو أرسطوطاليس ، اعترف بصعوبة ذلك ، فإذن ليس عندنا إلّا تعريفات بأمور تخصّ بالاجتماع . كقولنا في تعريف الإنسان : « إنّه المنتصب القامة ، البادى البشرة ، العريض الأظفار » ، لأنّ كلّا منها وإن جاز وجوده في غيره ، ( 31 ) لكنّ المجموع يختصّ به دون غيره ممّا نعرفه من الماهيّات ، وبه يحصل تمييزه عنها ، ولا يقدح فيه جواز كون المجموع في ماهيّة أخرى لم نعرفها . ولا يخفى أنّ هذه الصّعوبة إنما هي في الحدّ بحسب الحقيقة والماهيّة ، لا بحسب المفهوم والعناية . فإنّه إذا عنى بالإنسان « الحيوان الضّاحك المنتصب القامة البادى البشرة » ، كان حدّا تامّا ، لا نمنع من الاصطلاح عليه ، ولا يجوز تبديله بأن يقال : « هو حيوان ناطق عريض الأظفار » ، فإنّ كلّ واحد ممّا ذكر في الأوّل ذاتىّ بحسب المفهوم والعناية ، ولا يجوز تبديل ذاتيّات الحدّ ولا الزّيادة ولا النّقصان فيها . وهذا ليس برسم ، لأنّه باللّوازم ، والرّاسم يعترف أنّ هذا الاسم ليس لهذه المحمولات ، بل لأمر ينتقل الذّهن منها إليه ، بخلاف الحادّ بحسب العناية ، فإنّ الاسم عنده لمجموع هذه المحمولات ، الّتى كلّ منها ذاتىّ بحسب المفهوم . فالحدّ بحسب المفهوم أصحّ ممّا بحسب الحقيقة ، وقد ينتفع به نفعا تامّا يقرب ممّا هو